فخر الدين الرازي
323
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
هذه الآية نزلت في اليهود ، وأنهم أرادوا إيقاع الشر برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فلما ذكر اللَّه تعالى ذلك أتبعه بذكر فضائحهم وبيان أنهم أبدا كانوا مواظبين على نقض العهود والمواثيق ، الثالث : أن الغرض من الآيات المتقدمة ترغيب المكلفين في قبول التكاليف وترك التمرد والعصيان ، فذكر تعالى أنه كلف من كان قبل المسلمين كما كلفهم ليعلموا أن عادة اللَّه في التكليف والإلزام غير مخصوصة بهم ، بل هي عادة جارية له مع جميع عباده . المسألة الثانية : قال الزجاج : النقيب فعيل أصله من النقب وهو الثقب الواسع ، يقال فلان نقيب القوم لأنه ينقب عن أحوالهم كما ينقب عن الأسرار ومنه المناقب وهي الفضائل لأنها لا تظهر إلا بالتنقيب عنها ، ونقبت الحائط أي بلغت في النقب إلى آخره ، ومنه النقبة من الجرب لأنه داء شديد الدخول ، وذلك لأنه يطلي البعير بالهناء فيعجد طعم القطران في لحمه ، والنقبة السراويل بغير رجلين لأنه قد بولغ في فتحها ونقبها ، ويقال : كلب نقيب ، وهو أن ينقب حنجرته لئلا يرتفع صوت نباحه ، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف . إذا عرفت هذا فنقول : النقيب فعيل ، والفعيل يحتمل الفاعل والمفعول ، فإن كان بمعنى الفاعل فهو الناقب عن أحوال القوم المفتش عنها ، وقال أبو مسلم : النقيب هاهنا فعيل بمعنى مفعول يعني اختارهم على علم بهم ، ونظيره أنه يقال للمضروب : ضريب ، وللمقتول قتيل . وقال الأصم : هم المنظور إليهم والمسند إليهم أمور القوم وتدبير مصالحهم . المسألة الثالثة : أن بني إسرائيل كانوا اثنى عشر سبطا . فاختار اللَّه تعالى من كل سبط رجلا يكون نقيبا لهم وحاكما فيهم . وقال مجاهد والكلبي والسدي : أن النقباء بعثوا إلى مدينة الجبارين الذين أمر موسى عليه السلام بالقتال معهم ليقفوا على أحوالهم ويرجعوا بذلك إلى نبيّهم موسى عليه السلام ، فلما ذهبوا إليهم رأوا أجراما عظيمة وقوة وشوكة فهابوا ورجعوا فحدثوا قومهم ، وقد نهاهم موسى عليه السلام أن يحدثوهم ، فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوفنا من سبط يهوذا ، ويوشع بن نون من سبط إفراثيم بن يوسف ، وهما اللذان قال اللَّه تعالى فيهما قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ [ المائدة : 23 ] الآية . قوله تعالى : وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وفيه مسائل : المسألة الأولى : في الآية حذف ، والتقدير : وقال اللَّه لهم إني معكم ، إلا أنه حذف ذلك لاتصال الكلام بذكرهم . المسألة الثانية : قوله إِنِّي مَعَكُمْ خطاب لمن ؟ فيه قولان : الأول : أنه خطاب للنقباء ، أي وقال اللَّه للنقباء إني معكم . والثاني : أنه خطاب لكل بني إسرائيل ، وكلاهما محتمل إلا أن الأول أولى . لأن الضمير يكون عائدا إلى أقرب المذكورات ، وأقرب المذكور هنا النقباء واللَّه أعلم . المسألة الثالثة : أن الكلام قد تم عند قوله وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ والمعنى إني معكم بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم وأعلم ضمائركم وأقدر على إيصال الجزاء إليكم ، فقوله إِنِّي مَعَكُمْ مقدمة معتبرة جدا في الترغيب والترهيب ، ثم لما وضع اللَّه تعالى هذه المقدمة الكلية ذكر بعدها جملة شرطية ،